بحث
En Ar

نعمل لتعزيز العدالة والمساواة المجتمعية

الفلسطيني بين اللجوء والعودة - بقلم إيهاب الكيلاني


2020-06-21 | المصدر: إيهاب الكيلاني - جمعية نواة - مركز التضامن الاجتماعي

#حق_العودة_للاجئين_الفلسطينيين_إلى_أراضيهم #راجعين_يا_بلادي إن تهجير الشعب الفلسطيني من دياره عام 1948 يعتبر أكبر جريمة تهجير عبر التاريخ، وذلك بعد أن قرر الصهاينة إقامة وطن قومي لليهود على أرض فلسطين في المؤتمر الصهيوني الأول في بال بسويسرا عام 1897. تشير البحوث إلى أن اللاجئين الفلسطينيين هم أكثر اللاجئين تعداداً على مستوى العالم. وتعتبر قضيتهم الشاهد الحي على جرائم الاحتلال الإسرائيلي، والعقبة الكبرى أمام المشروع الصهيوني. وهذه القضية يتحمل مسؤوليتها كلّ من كيان الاحتلال الذي كان السبب في تهجير الفلسطينيين وإيجاد هذه المعاناة، وكذلك الحكومة البريطانية التي أصدرت وعد بلفور الذي يمنح وطن قومي لليهود في فلسطين، ثم يشاركهما المسؤولية المجتمع الدولي الذي يقف عاجزاً أمام علاج هذه القضية، وهو غير قادر على تنفيذ القوانين والمواثيق الدولية. لذلك تعرضت قضية اللاجئين للعديد من محاولات التصفية، كما صدر بحقها الكثير من القرارات الدولية. اندلعت حرب 1948 بعد إعلان قيام الكيان الصهيوني في 15 أيار. وبدأت العصابات الصهيونية باحتلال الأراضي الفلسطينية وتهجير أهلها منها، واستخدموا في سبيل هذا شتى الأساليب العسكرية والنفسية. وقد انتهت الحرب باحتلال 77% من أرض فلسطين التاريخية، وتهجير 804,000 لاجئ فلسطيني خارج فلسطين. جاء هذا التهجير بعد ارتكاب ما يزيد عن 34 مجزرة، وتدمير ما يقارب ال 478 قرية من أصل 585. كما أدى إلى تهجير سكان 531 قرية، بالإضافة إلى نحو ثلاثين ألفاً آخرين هُجِّروا من قراهم إلى مناطق أخرى لا تبعد كثيرا عن قراهم ومدنهم، إلا أنهم لم يستطيعوا الرجوع إليها. وقد أظهرت الملفات الإسرائيلية التي فتحت سابقاً إلى أن 89% من القرى هُجرت بسبب عمل عسكري صهيوني، و10% بسبب الحرب النفسية من خلال إثارة الرعب والتخويف، و1% فقط بسبب قرار أهالي القرية. ❖ اللجوء اضطر الفلسطينيون بسبب المجازر والأعمال الإرهابية للجوء إلى المناطق الفلسطينية الآمنة في ذلك الوقت، وتجمّعوا في غزة والضفة الغربية، كما انتقل عدد منهم إلى الدول العربية المجاورة كالأردن، لبنان، سوريا، مصر والعراق. اللاجئون الفلسطينيون في الداخل يشكلون نسبة كبيرة من مجموع اللاجئين .. تمركز من لجأ منهم إلى الضفة الغربية وقطنوا في وسطها شرقي الخط الأخضر، وتعود أصولهم إلى المناطق الساحلية، وينحدر هؤلاء من 409 قرى مهجرة عام 1948. ويسكن اللاجئون في الضفة في 24 مخيم، وقد توزع بعضهم على المدن الفلسطينية مندمجين مع السكان. وهُجِّر إلى قطاع غزة نحو 200 ألف لاجئ لينضموا إلى 80 ألف آخرين كانوا يعيشون فيها قبل النكبة. ويتوزع اللاجئون على 8 مخيمات، كما تشرف الأنروا والسلطة الفلسطينية على شؤونهم. كما لجأ الفلسطينيون إلى دول الجوار العربية التي يعيشون فيها حياة إنسانية صعبة، ويعيش الغالبية منهم في مخيمات وتجمعات سكنية مكتظة بالسكان، وينتشر فيها العديد من الأمراض، وهي مفتقرة إلى أقل مقومات الحياة. حيث يعيش أكبر مجموعة منهم في الأردن موزعين على 21 مخيماً، لكن يسكن أغلبهم خارج المخيمات، وتتقاسم الأنروا وإدارة الشؤون الفلسطينية إدارة شؤونهم. وقد عبرت قوافل اللاجئين الأراضي اللبنانية باتجاه سوريا حيث توزعوا على 15 مخيماً، و قُدِّر عددهم عند الهجرة بين 75,000 و 85,000 ألف لاجئ، معظمهم من سكان شمالي فلسطين بخاصة صفد، حيفا ويافا. كما لجأ إلى العراق حوالي 4,300 لاجئ تعود جذورهم إلى قرى المثلث: اجرم، جبع، وعين غزال في الجليل الأعلى، وهم لم يخضعوا لإشراف الأنروا . وقد اعتبرت أعدادهم بالقليلة جدا وهم بعيدون عن مناطق اللجوء، فتولّت الحكومات العراقية المتعاقبة إدارة شؤونهم، إلا ان معظمهم هاجروا إلى الدول الأوروبية وغيرها من الدول إثر الحرب في العراق. ولجأ الفلسطينيون أيضاً إلى مصر بعد حرب 1948 وعدوان 1956، إلا أن أكبر الأعداد التي لجأت إلى مصر كانت بعد احتلال الضفة وغزة عام 1967. ويتمركز معظمهم في القاهرة والاسكندرية، ومحافظة الشرقية، ومنطقة القناة، وسيناء. لا يستفيد اللاجئون في مصر من الخدمات التي تقدمها الأنروا، وهم بذلك أصبحوا تحت ولاية المفوضية العليا السامية لشؤون اللاجئين. أما في لبنان، فتتراوح أعداد من اضطروا إلى اللجوء اليها بعد النكبة بين 100 و130 ألف لاجئ، تعود أصولهم إلى حيفا وعكا ويافا وصفد والناصرة. ويعيش العدد الأكبر منهم في 12 مخيماً .. أما الباقون فيعيشون في المدن والقرى اللبنانية إضافة إلى تجمّعات سكنية نشأت بسبب تطورات الأوضاع في لبنان، وبلغ عددها 58 تجمعاً. وتتولى الأنروا ولجان شعبية من الفصائل الفلسطينية إدارة شؤونهم. لكنهم يخضعون لعدد من القوانين التي تحرمهم من العمل والانخراط في الاقتصاد اللبناني، وتمنعهم من تحسين ظروفهم المعيشية. ❖ القرارات والمسؤولية الدولية يتحمل المجتمع الدولي المسؤولية عن نشوء قضية اللاجئين، وتتمثل هذه المسؤولية بإصدار القرار 181 والذي يقضي بتقسيم أرض فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية. إن هذا القرار يخالف صك الانتداب وتتجاوز به الأمم المتحدة حدود الاختصاص والتصرف المقرر لها. قضية اللاجئين الفلسطينيين قضية معقدة وخطيرة، شغلت الأمم المتحدة منذ عام 1948، فأصدرت عشرات القرارات التي تتعلق بقضيتهم، والتي تناولت حق عودة اللاجئين .. ومن أهم هذه القرارات وأبرزها كان القرار رقم 194 والذي نصّت الفقرة 11 منه على السماح للاجئين الذين يرغبون في العودة إلى مساكنهم والعيش بسلام مع جيرانهم فعل ذلك في أقرب وقت ممكن، كما يجب دفع التعويضات لأولئك الذين اختاروا عدم العودة تعويضاً لهم عن خسارة ممتلكاتهم حسب مبادئ القانون الدولي ومبادئ العدالة من قِبل الحكومات أو السلطات المسؤولة. وقد تم إنشاء لجنة التوفيق الدولية من أجل تسهيل تنفيذ ذلك القرار. بالإضافة إلى القرار 2672 الصادر عن الجمعية العمومية للأمم المتحدة عام 1970 والذي يعترف بشعب فلسطين وبحق تقرير المصير، ويطلب من الاحتلال اتخاذ خطوات عملية ودون تردد لإعادة اللاجئين. وبدعم كبير من الولايات المتحدة الامريكية استطاعت حكومة الاحتلال التنصل من تنفيذ ما أقرته الشرعية الدولية وفي مقدمتها القرار 194 من خلال المماطلة والمراوغة. ❖ المفهوم ومشاريع التصفية اختلفت التعريفات التي تشرح معنى كلمة لاجئ .. فبعضها عرّف اللاجئ بصفته العامة، وبعضها الآخر عرّف اللاجئ الفلسطيني. إلا أن بعض هذه التعريفات كانت ظالمة بحق الشعب الفلسطيني، فقد استثنت جزءاً منهم، الأمر الذي أضعف من حقهم القانوني بالعودة إلى ديارهم .. إن الأنروا تطلق وصف "اللاجئون الفلسطينيون" على الأشخاص الذين كانت فلسطين مكاناً لإقامتهم الطبيعي في الفترة الواقعة بين يونيو/ حزيران 1946 ومايو/ أيار 1948 –أي الذين أقاموا لفترة سنتين على الأقل في فلسطين قبل عام 1948- والذين فقدوا أماكن سكنهم ووسائل عيشهم نتيجة الصراع العربي الإسرائيلي عام 1948. لا يعتبر هذا التعريف تعريفاً دولياً، وهو يحدد معايير نطاق عمل الأنروا فقط ولا يشمل كافة اللاجئين. بدوره حاول الكيان الصهيوني استغلال ثغرات هذا التعريف ، واعتبر أن أبناء وأحفاد من خرجوا من فلسطين ليسوا لاجئين، كما حرم من خرج قبل حرب 1948 من صفة اللجوء. في الوطن العربي .. لا يوجد اتفاق عربي لتنظيم قضية اللاجئين العرب بشكل عام .. ولكن بالنسبة للفلسطينيين فهناك مجموعة من القرارات والتشريعات وضعت على مراحل بشأن جمع شمل الأُسر الفلسطينية المشتتة، ومنحهم وثائق سفر موحدة ، وتسهيل سفر وإقامة الفلسطينيين ومعاملتهم في الدول العربية. وكان أبرز هذه القرارات بروتوكول الدار البيضاء عام 1965 الذي نفذت سوريا والأردن جميع بنوده. ورغم أن معظم الدول العربية أيّدت البروتوكول، لكنها لم تلتزم به وكان التنفيذ لبنوده غير منسّق، وبقي وضع اللاجئين حكراً على الأوضاع السياسية السائدة في المقام الأول. أما عن مشاريع تصفية قضية اللاجئين الفسطينيين فقد بدأت مع النكبة .. وهي تتوالى الواحدة تلوى الأخرى .. مرة بمسميات عربية وأخرى بأسماء دولية أو صهيونية. حتى بلغت قرابة خمسين مشروعاً. وتدور كل هذه المحاولات الفاشلة حول توطين اللاجئين في أماكن تواجدهم، وإقامة مشاريع إنمائية للعمل، إضافة إلى تعويضات مالية مدفوعة، وبعضها طرح التوطين في دولة ثالثة، وعودة جزء منهم إلى الأراضي الفلسطينية. ومن هذه المشاريع، المشروع الذي قدمه جون بلاندفورة المفوّض العام الأسبق لوكالة الغوث التابعة للأمم المتحدة إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة يتضمن عدة جوانب، من بينها اقتراح يقضي بتخصيص ميزانية قوامها 250 مليون دولار لدمج اللاجئين في المجتمعات العربية. وقدّم الكيان الصهيوني عدداً من مشاريع التوطين ساعياً من خلالها إلى رفع مسؤوليته عن قضية اللاجئين ووضعها على عاتق الدول العربية، ومنعهم من العودة إلى ديارهم ومصادرة أراضيهم. وقد نصت قرارات حكومة الاحتلال ومشاريعها على توطين اللاجئين في الدول العربية وعودة عدد محدود منهم إلى أرض الدولة الفلسطينية. وكان آخر هذه المشاريع "صفقة القرن" التي أعلن عنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حيث تضمنت بنداً خاصاً يتعلق بقضية اللاجئين الفلسطينيين، الذي نص على إنهاء حق العودة وحرمان اللاجئين من أية تعويضات مالية، أو استيعاب أي لاجئ فلسطيني في دولة الاحتلال، وتوطينهم في الدول العربية التي يقيمون فيها. وتتضمن هذه الخطة ثلاث خيارات للاجئين الفلسطينيين الذين يبحثون عن مكان إقامة دائم، وتتلخص أولاً في الاستيعاب في دولة فلسطين، مع خضوع هذا الخيار لقيود، وثانياً الاندماج في البلدان المضيفة التي يتواجدون بها، و ثالثاً في قبول 5000 لاجئ سنوياً على مدى 10 سنوات في دول مجلس التعاون الإسلامي التي توافق على المشاركة في إعادة توطين اللاجئين الفلسطينيين، بالإضافة إلى إنهاء وكالة الأنروا وتفكيك جميع مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، وبناء مساكن دائمة. ❖ حق العودة حق العودة هو حق شرعي لكل فلسطيني طُرد أو خرج من أرضه لأي سبب وفي أي وقت كان. وهذا الحق ينطبق على كل فلسطيني، كما ينطبق على أبنائهم وأحفادهم مهما بلغ عددهم واختلفت أماكن تواجدهم. إنه حق تاريخي وقانوني حفظته المواثيق والشرعية الدولية، ولا يخضع لأي تنازل ولا يسقط بالتقادم ومرور الزمن. ويعتبر كيان الاحتلال العقبة الأولى أمام هذا الحق لأنه كيان عنصري ينفّذ مبدأ التطهير العرقي عبر الاستيلاء على الأرض وطرد أهلها ومحو ثقافتها. وقد ذُكر التعويض دائماً مع حق العودة، هذا التعويض هو حق تابع لحق العودة وليس بديلاً عنه، فهو بديل عن المأساة النفسية والأضرار المادية وجرائم الحرب التي لحقت بالشعب الفلسطيني على مدار عقود. في كل قضايا التحرّر الوطني، يكون الشعب المحتل أضعف من القوّة المحتلة، لكن صاحب الحق ينتصر دائماً عبر صموده وإصراره على انتزاع حقه .. ولا يزال اللاجئ الفلسطيني يدافع عن حقه بأرضه ، كما يصر على العودة إليها رغم مرور عقود من الزمن على تهجيره منها قصراً. لقد تحمّل الشعب الفلسطيني في كل أماكن تواجده الحروب والقتل والاضطهاد والتجويع والحصار والشتات، وتربطهم جميعاً رابطة الأرض والمعاناة، كما يربطهم أيضاً الحلم الواحد وحق العودة والتحرير .. فهذا الحلم حتى اليوم لا يزال حاضراً على جدران وأزقة المخيمات الفلسطينية وفي كل أماكن تواجدها.